( قصة )عقيدة التوحيدفي الإسلام 5

آذار 8th, 2008 كتبها دمشقي نشر في , ( قصة )عقيدة التوحيد

 

العبادة
تعريف العبادة
التوحيد لا يتحقق إلا بأمرين :
الأول :
الشهادة لله بالوحدانية في ذاته وصفاته .
الثاني :
 قصده وإرادته وحده دون سواه في جميع العبادات .
والعبادة : اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة ، فالظاهرة كالتلفظ بالشهادتين والصلاة والصوم ، والباطنة كالإيمان بالله وملائكته والكتب والرسل والخوف والرجاء ….
 
المطلب الثاني
العابد هو الذي
 يتقلب بين الخوف والرجاء
العبادة الحقة هي التي يتقلب صاحبها بين حب الله ، والخوف منه والتذلل له ، ورجائه والطمع في رحمته .
فالعابد لا حباً ولا خـوفاً ولا رجاءً إنما يؤدي حركات جوفاء لا تعني بالنسبة له شيئاً .
والعابد حباً بلا تذلل ولا خوف ولا رجاء كثيراً ما يقع في الذنوب والمعاصي ، فيزعم أنه يحب الله ويترك العمل ويتجرأ على الذنوب ، وقديماً زعم قوم حب الله من غير عمل فاختبرهم الله بقوله:
( قل إن كنتم تُحبُّون الله فاتَّبعوني يُحببكم الله ) [ آل عمران : 31 ]
فمن ادعى محبة الله ولم يكن متبعاً رسوله فهو كاذب .
وقال الشافعي رحمه الله تعالى :
 " إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ، ويطير في الهواء فلا تصدقوه حتى تعلموا متابعته لرسول الله " .
وكذلك الرجاء وحده إذا لم يقترن بخوف الله وخشيته فإن صاحبه يتجرأ على معاصي الله ، ويأمن مكره :
( فلا يأمنُ مكر الله إلاَّ القومُ الخاسرون ) [الأعراف : 99] .
وكذلك الخوف إذا لم يقترن بالرجاء فإن العابد يسوء ظنه بالله ، ويقنط من رحمته ، وييأس من روحه ، وقد قال تعالى :
( إنَّه لا يَيْأَسُ من رَّوح الله إلاَّ القوم الكافرون ) [يوسف : 87] .
فالعبادة الحقة هي التي يكون صاحبها بين الخوف والرجاء
 ( ويرجون رحمته ويخافون عذابه ) [الإسراء : 57] ،
 ( أمَّن هو قانت آنَاء الَّليل ساجداً وقائِماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ) [ الزمر : 9 ]
 كما يكون بين الرغبة والرهبة كما قال تعالى في آل زكريا عليهم السلام :
( إنَّهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين ) [ الأنبياء : 90 ] .
فالعبد الصالح تارة يمده الرجاء والرغبة ، فيكاد يطير شوقاً إلى الله ، وطوراً يقبضه الخوف والرهبة فيكاد أن يذوب من خشية الله تعالى ، فهو دائب في طلب مرضاة ربه مقبل عليه خائف من عقوباته ، ملتجئ منه إليه ، عائذ به منه ، راغب فيما لديه .
المطلب الثالث
أركان العبادة
للعبادة أركان ثلاثة :
الأول :
 الإخلاص :
 بأن يقصد العبد وجه ربه والدار الآخرة ، قال صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرىء ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها ، أو امرأةٍ ينحكها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه ) (1) وترك الإخلاص يبطل العبادة .
الثاني :
 الصدق :
 ونريد به الصدق في العزيمة ، بأن يبذل العبد جهده في امتثال أمر الله واجتناب نهيه ، والاستعداد للقائه ،وترك العجز ،وترك التكاسل عن طاعة الله .
الثالث :
 متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلا يعبد الله إلا وفق ما شرعه الله ،
 وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، أمّا أن يعبد الناس ربهم بغير علم فهذه هي البدعة التي حذر منها الرسول صلى الله عليه وسلم وذم فاعلها ، وأخبر أن عمله ضلالة . فقال : " كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار " . وصاحب البدعة عمله مردود عليه غير مقبول منه .
ففي الصحيحين عن عائشة – رضي الله عنها –
 قالت :
 قال الرسول صلى الله عليه وسلم :
 " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد "
 وفي رواية لمسلم :
" من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " . (2)
لا عبادة إلا بهذه الأركان :
فما لم توجد العزيمة الصادقة لا توجد العبادة ، إذ تصبح العبادة تمنيات وآمالاً لا يكاد يهم المرء بفعلها حتى تخبوا إرادته وتنحل . وما لم يوجد الإخلاص ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فإن العبادة لا يقبلها الله تعالى .
المطلب الرابع
أنواع العبادات التي لا يجوز أن يقصد بها غير الله
والعبادات التي لا يجوز أن يقصد ويراد بها غير الله أنواع :
الأول :
عبادات اعتقادية :
وهذه أساس العبادات كلها ، وهي أن يعتقد العبد أن الله هو الرب الواحد الأحد الذي له الخلق والأمر ، وبيده النفع والضر ، الذي لا شريك له ، ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ، وأنه لا معبود بحق غيره .
الثاني :
 عملية قلبية :
والعبادات القلبيـة التي لا يجوز أن يقصد بها إلا الله وحده ، وصرفها لغيره شرك كثيرة ، كالخوف والرجاء ، والرغبة والرهبة ، والخشوع والخشية ،والحب ، والإنابة ، والتوكل ، والخضوع .
الثالث :
 قولية :
كالنطق بكلمة التوحيد ؛ إذ لا يكفي اعتقاد معناها ، بل لا بد من النطق بها ، وكالاستعاذة بالله ، والاستعانة والاستغاثة به ، والدعاء له ، وتسبيحه ، وتمجيده ، وتلاوة القرآن .
الرابع :
 بدنية :
كالصلاة ، والصوم ، والحج ، والذبح ، والنذر ، وغير ذلك .
الخامس :
 مالية :
كالزكاة ، وأنواع الصدقات ، والكفارات ، والأضحية ، والنفقة .

——————————–

(1) رواه البخاري ومسلم ، وهو حديث مشهور تغني شهرته عن تخريجه . وانظر كتابنا (( مقاصد المكلفين )) ص : 519 ، فقد ذكرنا فيه طرقه ومخرجيه .
(2) عزاه ابن الأثير في جامع الأصول : 1/289 ، ورقمه : 75 إلى البخاري ومسلم وأبي داود .
 
 

 

 
 

ما يضاد التوحيد وينافيه
الذي ينافي التوحيد ويضاده الشرك ، يقال : شركته في الأمر إذا صرت له شريكاً ، ومنه قوله تعالى :
( وأشركه في أمري ) [ طه : 32 ]

أي اجعله شريكي فيه .
الشرك نوعان :
 وفي مصطلح الشريعة الإسلامية الشرك نوعان :
الأول :
 الشرك الأكبر :
والمشرك شركاً أكبر هو الذي يجعل مع الله رباً آخر كشرك النصارى  الذي جعلوه ثالث ثلاثة ، وشرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور ، وحوادث الشر إلى الظلمة ، وكشرك الصابئة الذين ينسبون إلى الكواكب العلوية تدبير أمر العالم ، ومثل هؤلاء كثير من عُبّاد القبور الذين يزعمون بأن أرواح الأولياء تتصرف بعد الموت ، فيقضون الحاجات ،ويفرّجون الكربات ، وينصرون من دعاهم ، ويحفظون من التجأ إليهم ، ولاذ بحماهم . ومن الشرك الأكبر أن يجعل مع الله إلهاً آخر : ملكاً ، أو رسولاً ، أو ولياً ، أو شمساً ، أو قمراً ، أو حجراً ، أو بشراً ، يُعبد كما يُعبد الله ، وذلك بدعائه والاستعانة به ، والذبح له والنذر له ، وغير ذلك من أنواع العبادة .
لا تشترط مساواة الشريك لله حتى يصبح شركاً :
ولا يشترط أن يساوي المشرك في شركه مع الله غيره من كل وجه ، بل يسمى مشركاً في الشرع بإثباته شريكاً لله ، ولو جعله دونه في القدرة والعلم مثلاً .
فأما حكايته تعالى عن المشركين قولهم :
 ( تالله إن كُنَّا لفي ضلالٍ مُّبينٍ – إذ نسويكُم برب العالمين ) [ الشعراء : 97-98 ] ،
 فهي التسوية في المحبة والخوف والرجاء والطاعة والانقياد ، لا في القدرة على الخلق والإيجاد ، لأنهم كانوا يقولون بوحدانيته في الخلق والإيجاد .
خطورة هذا الشرك :
الشرك الأكبر في غاية الخطورة فهو يحبط العمل ، قال تعالى :
 ( ولو أشركوا لحبط عنهم مَّا كانوا يعملون ) [ الأنعام : 88 ] .
وقال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم :
( ولقد أُوحِيَ إليك وإلى الَّذين من قبلك لئِن أشركت ليحبطنَّ عملك ولتكوننَّ من الخاسرين ) [ الزمر : 65 ] .
وصاحبه خالد مخلّد في نار جهنم لا يغفر الله له ، ولا يدخله الجنّة :
 ( إنَّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) [ النساء : 48 ] ،
 ( لقد كفر الَّذين قالوا إنَّ الله هو المسيحُ ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربَّكم إنَّه من يشرك بالله فقد حرَّم الله عليه الجنَّة ومأواه النَّارُ وما للظَّالمين من أنصارٍ ) [ المائدة : 72 ] .
أعظم جريمة وأفظع ظلم :
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أكبر عند الله ؟
 قال :
 ( أن تدعو لله نداً وهو خلقك ) متفق عليه (1) ،
 وقال تعالى : ( إنَّ الشرك لظلم عظيمٌ ) [لقمان : 13] ،
 وقال : ( ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً ) [ النساء : 48 ] .
النوع الثاني :
 الشرك الأصغر :
والشرك الأصغر كيسير الرياء ، والتصنع للمخلوق ، وعدم الإخلاص لله تعالى في العبادة ، بل يعمل لحظ نفسه تارة ، ولطلب الدنيا تارة ، ولطلب المنزلة والجاه تارة ، فلله من عمله نصيب ، ولغيره منه نصيب ، ويتبع هذا النوع الشرك بالله في الألفاظ كالحلف بغير الله ، وقول : ما شاء الله وشئت ،وما لي إلا الله وأنت .
وقد يكون شركاً أكبر بحسب قائله ومقصده .
وهذا النوع من الشرك : ( الشرك الأصغر ) وإن كان لا يُخْرِجُ من الملة فإن صاحبه على خطر عظيم ، ينقص من أجره شيء كثير ، وقد يحبط منه العمل ، ففي الصحيحين عن أبي موسى – رضي الله عنه – قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم
فقال :
 الرجل يقاتل للمغنم ، والرجل يقاتل للذكر ، والرجل يقاتل ليرى مكانه ، فمن في سبيل الله ؟
 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) . (2)
وفي صحيح مسلم فيما يرويه الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه :
 ( أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، مَنْ عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ) . (3)
وفي المسند أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال :
( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر )
قالوا :
 يا رسول الله وما الشرك الأصغر ؟
 قال :
 ( الرياء ) .
 وزاد البيهقي في شعب الإيمان :
 ( يقول الله لهم يوم يجازي العباد بأعمالهم :
اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا ، فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً وخيراً ) . (4)
وفي النهي عن هذا الشرك نزل قوله تعالى :
 ( فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً )
 [ الكهف : 110 ] .

——————————–

(1) مشكاة المصابيح : 1/21 ، ورقمه : 49 .
(2) رواه البخاري : 6/28 . ورقمه : 281 . ورواه مسلم : 3/1512 . ورقمه : 1904 .
(3) رواه مسلم . انظر جامع الأصول : 4/545 . ورقمه : 2651 .
(4) مشكاة المصابيح : 2/687 ، ورقمه : 5334 .
 

نظرة في تاريخ العقيدة
هل تطورت العقيدة
 عبر الزمان
يرى كثير من الباحثين الغربيين أن الإنسان لم يعرف العقيدة على ما يعرفها عليه اليوم مرة واحدة ، ولكنها ترقت ، وتطورت في فترات وقرون متعاقبة .
ولا عجب أن يقول بهذا القول الباطل قوم لم يمنحهم الله كتابه الذي يحكي تاريخ العقيدة بوضوح لا لبس فيه ، إلا أن العجيب أن يذهب هذا المذهب رجال يعدون أنفسهم باحثين مسلمين .
فهذا عباس محمود العقاد يرى في كتابه (الله) (1) - وهو كتاب يبحث في نشأة العقيدة الإلهية – أن

" الإنسان ترقى في العقائد " ،
 ويرى أن ترقي الإنسان في العقائد موافق تماماً لترقيه في العلوم .
ويقول :
 " كانت عقائد الإنسان الأولى مساوية لحياته الأولى ، وكذلك كانت علومه وصناعاته ، فليس
 أوائل العلم والصناعة بأرقى من أوائل الأديان والعبادات ، وليس عناصر الحقيقة في واحدة
 منها بأوفر من عناصر الحقيقة في الأخرى " .
بل يرى أن تطور العقيدة لدى الإنسان كان أشق من تطور العلوم والصناعات ، يقول في هذا :
" وينبغي أن تكون محاولات الإنسان في سبيل الدّين أشق وأطول من محاولاته في سبيل العلوم والصناعات ؛ لأن حقيقة الكون الكبرى أشق مطلباً وأطول طريقاً من حقيقة هذه الأشياء المتفرقة التي يعالجها العلم تارة والصناعة تارة أخرى " .
ويرى أن الحقيقة الإلهية لم تتجل للناس مرة واحدة ، يقول :
 " فالرجوع إلى أصول الأديان في عصور الجاهلية الأولى لا يدلّ على بطلان التدين ، ولا على أنها تبحث عن محال ، كل ما يدلّ عليه أنّ الحقيقة الكبرى أكبر من أن تتجلى للناس كاملة في عصر واحد " .
ثم أخذ يستعرض آراء الباحثين في تاريخ العقيدة ، فمنهم من يرى أنّ السبب في نشأة العقيدة هو ضعف الإنسان بين مظاهر الكون وأعدائه من قوى الطبيعة والأحياء ، … وبعضهم يرى أن العقيدة الدينية حالة مرضية في الآحاد والجماعات ، ويرى بعضهم أن أصل العقيدة الدينية عبادة
(( الطوطم )) ،
 كأن تتخذ بعض القبائل حيواناً (طوطمياً)
تزعمه أباً لها  . وقد يكون شجراً أو حجراً يقدسونه ، إلى آخر تلك الفروض التي قامت في أذهان الباحثين الغربيين .
ومع الأسف فقد سرت هذه النظرية (2) إلى كثير من الكتّاب ، واعتنقها جملة من الدارسين (3) ،
 والذي أوقع هؤلاء في هذا الخطأ أمور :
الأول :
 أنهم قدّروا أن الإنسان الأول خُلق خلقاً ناقصاً ، غير مؤهل لأن يتلقى الحقائق العظمى كاملة ، بل إن تصوراتهم عن الإنسان الأول تجعله أقرب إلى الحيوان منه إلى الإنسان .
الثاني :
أنهم ظنوا أن الإنسان اهتدى إلى العقيدة بنفسه بدون معلم يعلمه ، ومرشد يوضح له . فما دام الأمر كذلك فلا بد أن يترقى في معرفته بالله كما ترقى في العلوم والصناعات .
الثالث :
أنهم عندما بحثوا في الأديان ليتبينوا تاريخها لم يجدوا أمامهم إلا تلك الأديان المحرفة أو الضالة ، فجعلوها ميدان بحثهم ، فأخضعوها للدراسة والتمحيص ، وأنى لهم أن يعرفوا الحقيقة من تلك الأديان التي تمثل انحراف الإنسان في فهم العقيدة .
القرآن وحده يوضح تاريخ العقيدة :
ليس هناك كتاب في الأرض يوضح تاريخ العقيدة بصدق إلا كتاب الله سبحانه وتعالى ، ففيه علم غزير في هذا الموضوع ، وعلم البشر لا يمكن أن يدرك هذا الجانب إدراكاً وافياً لأسباب :
الأول :
 أن ما نعرفه عن التاريخ قبل خمسة آلاف عام قليل ، أما ما نعرفه قبل عشرة آلاف عام فيعتبر أقل من القليل ، وما قبل ذلك فيعتبر مجاهيل لا يدري علم التاريخ من شأنها شيئاً ، لذا فإن كثيراً من الحقيقة ضاع بضياع التاريخ الإنساني .
الثاني :
 أن الحقائق التي ورثها الإنسان اختلطت بباطل كثير ، بل ضاعت في أمواج متلاطمة في محيطات واسعة من الزيف والدجل والتحريف ، ومما يدل على ذلك أن كتابة تاريخ حقيقي لشخصية أو جماعة ما في العصر الحديث تعتبر من أشقّ الأمور ، فكيف بتاريخ يمتدّ إلى فجر البشرية ؟ !
الثالث :
أن قسماً من التاريخ المتلبس بالعقيدة لم يقع في الأرض ، بل في السماء .
لذا فإن الذي يستطيع أن يمدنا بتاريخ حقيقي لا لبس فيه هو الله – سبحانه وتعالى –
( إنَّ الله لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السَّماء )
[ آل عمران : 5 ] .

——————————–

(1)نشرته دار الهلال – القاهرة: انظر : ص : 10 وما بعداه .

(2) ممن جنح إلى القول بهذه النظرية مصطفى محمود في كتابه (الله) .

(3) لست أدري أي عقيدة هذه التي تطورت ، أهي العقيدة اليهودية المحرفة ، أم النصرانية المبدلة ، أم عقيدة الفلاسفة … إن هذه العقائد لا تمثل إلا انحرافات عقائدية ، ولا تمثل العقيدة السليمة .
 

تاريخ العقيدة كما يرويه
 القرآن الكريم
أعلمنا الله سبحانه


المزيد


( قصة )عقيدة التوحيدفي الإسلام 4

آذار 8th, 2008 كتبها دمشقي نشر في , ( قصة )عقيدة التوحيد

المنحرفون عن المنهج السليم
وأسباب انحرافهم
والانحراف عن المنهج السليم في أسماء الله تعالى وصفاته قد جاء من الإخلال بأصل من الأصول الثلاثة التي ذكرناها ، ونستطيع أن نقسم انحراف الناس قديماً وحديثاً في أسماء وصفاته إلى ثلاثة أقسم :
أولاً : انحراف المشركين :
وانحراف المشركين ، ذكره ابن عباس وابن جريج ، ومجاهد ، فالمشركون عدلوا بأسماء الله تعالى عما هي عليه ، فسموا بها أوثانهم ، فزادوا ونقصوا ، فاشتقوا اللات من الله ، والعزّى من العزيز ، ومناة من المنان .
ومن إلحادهم تكذيبهم بجملة من أسماء الله تعالى ، كتكذيبهم باسم الرحمن
( وهم يكفرون بالرَّحمن )
 [ الرعد : 30 ] ،
 ( وإذا قيل لهم اسجدوا للرَّحمن قالوا وما الرَّحمن )
[ الفرقان : 60 ] .
ويدخل في زمرة هؤلاء الذين يصفون الله بصفات النقص ، كقول خبثاء اليهود :
( إنَّ الله فقيرٌ ونحن أغنياء )
 [ آل عمران : 181 ] ،
 وقولهم :
( يَدُ الله مغلولة غُلَّت أيديهم ولعنوا بما قالوا ) [ المائدة : 64 ] .
ثانياً : انحراف المشبهة :
وهؤلاء أثبتوا لله ما أثبته لنفسه ، ولكنّهم لم ينزهوا الله تعالى عن مشابهة المخلوقين ، فأعملوا من الآية الكريمة
( ليس كمثله شيءٌ وهو السَّميع البصير )
 [ الشورى : 11 ]
 عجزها ، ولم يعملوا صدرها ، إذ لو أعملوا صدرها لعلموا أنّ الله لا يشبهه شيء ، ولما اجترؤوا على أن يقولوا قولتهم التي تقشعرّ لهولها الأبدان ، وتضطرب لها القلوب : إنّ لله يداً وبصراً وسمعاً كيدنا وسمعنا وبصرنا ، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً .
وهؤلاء جعلوا معبودهم كالأصنام ، ولذا قال علماء السلف : ( المشبه يعبد وثناً ) ، وقد كفروا بمقالتهم هذه وخرجوا عن الملّة ، ومن هؤلاء داود الجواربي ، وهشام بن الحكم الرافضي ، وهذا الفريقان إلحادهما متقابل : فالأولون من المشركين جعلوا المخلوق بمنزلة الخالق وسووه به ، والمشبهة جعلوا الخالق بمنزلة الأجسام المخلوقة ، وشبهوه بها ، تعالى الله وتقدس عن إفكهم وضلالهم .
ثالثاً : انحراف النفاة وهم ثلاث فرق :
1- فريق نفوا الأسماء وما تدلّ عليه من المعاني ، ووصفوا الله تعالى بالعدم المحض ، وهؤلاء هم الجهمية ، والحقيقة أنّ تحريف هؤلاء تكذيب لله كتحريف المشركين .
2- وفريق أثبتوا ألفاظ أسمائه دون ما تضمنته من صفات الكمال ، فقالوا : رحمن رحيم بلا رحمة ، حكيم بلا حكمة ، قدير بلا قدرة ، سميع بلا سمع .. إلخ ، وهؤلاء هم المعتزلة .
3- وفريق ثالث : أثبت سبعاً من صفات المعاني ، وهي : الحياة ، والعلم ، والقدرة ، والإرادة ، والسمع ، والبصر ، والكلام ، ونفوا ، ما عداها ، وهؤلاء هم الأشاعرة . (2)
والمكذبون بأسماء الله وصفاته ، والمشبهون صفاته بصفات خلقه ، والنافون لأسمائه وصفاته – ضلالهم واضح ، إذ هم مشاقون لله ورسوله ، مكذبون للكتاب والسنة ، وأمرهم معلوم لا يحتاج إلى بيان .
أمّا الذين يحتاج إلى كشف ما في مقالتهم من زيف ، فهم أهل الكلام الذي يزعمون أنّهم ينزهون الله تعالى عن مشابهة المخلوقين ، وبهذا ينفون صفات الله تعالى التي وردت في الكتاب والسنة ، بحجة أنّها توهم التشبيه ، وليجؤون في سبيل ذلك إلى تأويل هذه الصفات تأويلاً يصرفها عن معانيها الحقة . (3)

——————————–

(1) راجع : منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ، للشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله .

(2) لم يذهب أبو الحسن الأشعري رحمه الله هذا المذهب كما سيأتي ذكر معتقده في صفات الباري تبارك وتعالى .

(3) حاول بعض المعاصرين كالشيخ حسن البنا والشيخ حسن أيوب وغيرهما أن يهونوا من خطيئة هؤلاء الذين عرفوا باسم (الخلف) ، وأن يقربوا بين وجهة نظر السلف والخلف ، ولكنَّ الحقيقة التي يجب أن تدرك أن مذهب الخلف الزاعمين أن ظاهر الصفات غير مراد المؤولين لها مذهب بعيد عن الصواب ، ولا لقاء بينه وبين مذهب السلف . ولا يشفع لبعض الخلف حسن نيتهم ، فحسن النية لا يجعل الباطل حقاً .
 

المطلب الخامس
أقسام الصفات عند علماء الكلام ( الجزء الأول )

بين الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله تعالى – منهج علماء الكلام في تقسيماتهم لصفات الله تعالى ، وبيان ما أثبتوه منها وما نفوه ، وما وقعوا فيه من أخطاء ومغالطات ، ثم بيّن دلالة القرآن على اتصاف الله بهذه الصفات ، وعدم جواز نفيها عن الله بحجة أن المخلوقين يتصفون بها ؛ لأنّ صفات الله لائقة بجلاله وصفات المخلوقين مناسبة لعجزهم .
فقد بيّن الشيخ أنّ المتكلمين الذين خاضوا في الكلام ، وجاؤوا بأدلة يسمونها أدلة عقلية ، ركبوها في أقيسة منطقية ، قسموا صفات الله إلى ستة أقسام هي :
1- صفة نفسية ..2-معنى 3-معنوية 4- فعلية 5-سلبية 6- جامعة ..
أما الصفات الإضافية ، فقد جعلوها أموراً اعتبارية لا وجود لها في الخارج ، وسببوا بذلك إشكالات عظيمة .
محاكمة المنهج الكلامي إلى الكتاب والسنة
بين الشيخ الشنقيطي – رحمه الله تعالى – ما جاء في القرآن العظيم من وصف الخالق – جلّ وعلا – بتلك الصفات ، ووصف المخلوقين بتلك الصفات ، وبيان القرآن العظيم أنّ صفة خالق السماوات والأرض حق ، وأنّ صفة المخلوقين حقّ ، وأنه لا مناسبة بين صفة الخالق وصفة المخلوق ، فصفة الخالق لائقة بذاته ، وصفة المخلوق مناسبة لعجزه وافتقاره ، وبين الصفة والصفة من الفرق كمثل ما بين الذات والذات .
صفات المعاني عند المتكلمين
وبين الشيخ أن صفات المعاني عند علماء الكلام سبع صفات فقط ، وينكرون ما عدا هذه السبع .
وضابط صفة المعنى عند علماء الكلام : ما دلّ على معنى وجودي قائم بالذات .
والصفات السبع التي أثبتوها هي : القدرة ، والإرادة ، والعلم ، والحياة ، والسمع ، والبصر ، والكلام . وأنكر هذه المعاني السبعة المعتزلة ، وأثبتوا أحكامها ، فقالوا : هو قادر بذاته ، سميع بذاته ، عليم بذاته ، حيّ بذاته ، ولم يثبتوا لله قدرة ، ولا علماً ، ولا حياة ، ولا سمعاً ، ولا بصراً ، فراراً من تعدد القديم ، وهو مذهبٌ كل العقلاء يعرفون ضلاله وتناقضه ، وأنه إذا لم يقم بالذات علم استحال أن تقول : هي عالمة بلا علم ، وهو تناقض واضح بأوائل العقول .
ثم أورد الشيخ أدلة صفات المعاني ، وذكر الفرق بين صفات الباري وصفات المخلوق :
1- وصفوا الله تعالى بالقدرة ، وأثبتوا له القدرة ، والله – جلّ وعلا – يقول في كتابه :
 ( إنَّ الله على كل شيءٍ قديرٌ )
 [ البقرة : 20 ]
 ونحن نقطع أنه تعالى متصف بصفة القدرة على الوجه اللائق بكماله وجلاله .
كذلك وصف بعض المخلوقين بالقدرة فقال :
 ( إلاَّ الَّذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم )
 [ المائدة : 34 ]
 فأسند القدرة لبعض الحوادث ونسبها إليهم .
ونحن نعلم أنّ كلّ ما في القرآن حقّ ، وأنّ للمولى – جلّ وعلا – قدرة حقيقية تليق بكماله وجلاله ، كما أن للمخلوقين قدرة حقيقية مناسبة لحالهم وعجزهم وفنائهم وافتقارهم ، وبين قدرة الخالق وقدرة المخلوق من المنافاة والمخالفة كمثل ما بين ذات الخالق وذات المخلوق ، وحسبك بوناً بذلك .
2 ، 3- ووصف تبارك وتعالى نفسه بالسمع والبصر في غير ما آية من كتابه ، قال :
 ( إنَّ الله سميع بصير )
 [ المجادلة : 1 ] ،
 ( ليس كمثله شيءٌ وهو السَّميع البصير )
 [الشورى : 11] .
ووصف بعض الحوادث بالسمع والبصر ، قال :
 ( إنَّا خلقنا الإنسان من نطفةٍ أمشاجٍ نَّبتليه فجعلناه سميعا بصيراً
) [الإنسان : 2]
( أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا )
 [ مريم : 38 ] .
ونحن لا نشك أن ما في القرآن حقّ ، فلله – جلّ وعلا – سمع وبصر حقيقيان لائقان بجلاله وكماله ، كما أن للمخلوق سمعاً وبصراً حقيقيين مناسبين لحاله من فقره وفنائه وعجزه . وبين سمع وبصر الخالق وسمع وبصر المخلوق من المخالفة كمثل ما بين ذات الخالق والمخلوق .
4- ووصف نفسه بالحياة ، فقال :
 ( الله لا إله إلاَّ هو الحيُّ القيُّوم )
 [ البقرة :255] ،
 ( هو الحيُّ لا إله إلاَّ هو)
 [غافر : 65] ،
( وتوكَّل على الحيّ الَّذي لا يموت )
[ الفرقان : 58 ] .
ووصف أيضاً بعض المخلوقين بالحياة ، قال :
( وجعلنا من الماء كُلَّ شيءٍ حي ) [ الأنبياء : 30 ] ،
( وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيّاً ) [مريم :15] ،
( يخرج الحيَّ من الميّت ويخرج الميّت من الحيّ ) [ الروم : 19 ] .
ونحن نقطع بأن لله – جلّ وعلا – صفة حياة حقيقية لائقة بكماله ، وجلاله ، كما أن للمخلوقين حياة مناسبة لحالهم ، وعجزهم وفنائهم وافتقارهم ، وبين صفة الخالق وصفة المخلوق من المخالفة كمثل ما بين ذات الخالق وذات المخلوق ، وذلك بون شاسع بين الخالق وخلقه .
5- ووصف – جلّ وعلا – نفسه بالإرادة قال :
 ( فعَّالٌ لّما يريد ) [ البروج :16] ،
( إنّما أمرهُ إذا أراد شيئاً أن يقول له كُن فيكون ) [ يس : 82 ] .
ووصف بعض المخلوقين بالإرادة قال :
 ( تريدون عرض الدُّنيا ) [الأنفال :67]
( إن يريدون إلاَّ فراراً ) [الأحزاب :13] ،
( يريدون لِيُطْفِؤُوا نور الله ) [الصف : 8] .
ولا شك أن لله إرادة حقيقية لائقة بكماله ، كما أن للمخلوقين إرادة مناسبة لحالهم وعجزهم وفنائهم وافتقارهم . وبين إرادة الخالق والمخلوق كمثل ما بين ذات الخالق والمخلوق .
6- ووصف نفسه – جلّ وعلا – بالعلم ، قال :
( والله بكل شيءٍ عليمٌ ) [النور: 35] ، 
 ( لَّكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه ) [ النساء : 166 ] ،
 ( فلنقُصَّنَّ عليهم بعلمٍ وما كُنَّا غائِبين ) [ الأعراف : 7 ] .
ووصف بعض المخلوقين بالعلم قال :
 ( وبشروه بغلامٍ عليمٍ ) [الذاريات :28]،
 ( وإنَّه لذو عِلمٍ لّما علَّمناه ) [ يوسف : 68 ] .
ولا شك أن للخالق – جل وعلا – علماً حقيقيّاً لائقاً بكماله وجلاله محيطاً بكل شيء . كما أن للمخلوقين علماً مناسباً لحالهم وفنائهم وعجزهم وافتقارهم ، وبين علم الخالق وعلم المخلوق من المنافاة والمخالفة كمثل ما بين ذات الخالق وذات المخلوق .
7- ووصف نفسه – جلّ وعلا – بالكلام ، قال :
 ( وكلَّم الله موسى تكليماً ) [النساء : 164] ،
( فأجِرهُ حتَّى يسمع كلام الله ) [ التوبة : 6 ] .
ووصف بعض المخلوقين بالكلام قال
( فلمَّا كلَّمه قال إنَّك اليوم لدينا مكين أمينٌ ) [ يوسف : 54 ] ،
 ( وتكلّمنا أيديهم ) [ يس : 65 ] .
 ولا شكّ أن للخالق تعالى كلاماً حقيقياً يليق بكماله وجلاله ، كما أن للمخلوقين كلاماً مناسباً لحالهم وفنائهم وعجزهم وافتقارهم ، وبين كلام الخالق وكلام المخلوق من المنافاة والمخالفة كمثل ما بين ذات الخالق وذات المخلوق .
الكلام على الصفات السلبية عند المتكلمين
بين الشيخ الشنقيطي – رحمه الله تعالى – ضابط الصفة السلبية عند المتكلمين فقال : هي الصفة التي دلت على عدم محض . والمراد بها أن تدل على سلب ما لا يليق بالله عن الله ، من غير أن تدل على معنى وجودي قائم بالذات .
والذين قالوا هذا جعلوا الصفات السلبية خمساً لا سادس لها ، وهي عندهم : القدم ، والبقاء ، والمخالفة للخلق ، والوحدانية ، والغنى المطلق الذي يسمونه القيام بالنفس ، الذي يعنون به الاستغناء عن الحيز والمحل .
1 ، 2- القدم والبقاء :
ونبه الشيخ رحمه الله تعالى إلى أن القدم والبقاء اللذين وصف المتكلمون بهما الله – جلّ وعلا – زاعمين أنه وصف بهما نفسه هما المرادان بقوله تعالى :
( هو الأوَّلُ والأخرُ )
 [ الحديد : 3 ] .
والقدم عندهم عبارة عن سلب العدم السابق ، إلا أنه عندهم أخص من الأزل ، لأن الأزل عبارة عما لا افتتاح له ، سواء أكان وجودياً كذات الله وصفاته ، أو عدمياً ، والقدم عندهم عبارة عما لا أول له ، بشرط أن يكون وجودياً ، كذات الله متصفة بصفات الكمال والجلال .
وبين الشيخ – رحمه الله – أن الله – عزّ وجلّ – وصف المخلوقين بالقدم ، قال :
( قالوا تالله إنَّك لفي ضلالك القديم ) [ يوسف : 95 ] ،
 ( كالعُرجُونِ القديم ) [ يس : 39 ] ،
 ( أنتم وَآبَاؤُكُمُ الأقدمون ) [الشعراء : 76] .
ووصف المخلوقين بالبقاء قال :
 ( وجعلنا ذُريَّته هم الباقين ) [ الصافات : 77 ] ،
( ما عندكم ينفدُ وما عند الله باقٍ ) [ النحل : 96 ]
ولا شك أن ما وصف به الله من هذه الصفات مخالف لما وصف به الخالق .
وصف الله بالقدم والبقاء لم يرد في الكتاب والسنة :
وبين الشيخ – رحمه الله – تعالى أن الله لم يصف في كتابه نفسه بالقدم ، وبعض السلف كره وصفه بالقدم ؛ لأنه قد يطلق مع سبق العدم ، نحو
 ( كالعرجون القديم ) [يس : 39] ،
 ( إنَّك لفي ضلالك القديم ) [يوسف : 95] ،
 ( أنتم وَآبَاؤُكُمُ الأقدمون ) [الشعراء : 76] .
وقد زعم بعضهم أنه جاء فيه حديث ، وبعض العلماء يقول : هو يدل على وصفه بهذا ، وبعضهم يقول : لم يثبت .
أما الأولية والآخرية التي نص عليهما في قوله
: ( هو الأوّلُ والأخرُ ) [ الحديد:3] ،
 
 فقد وصف المخلوقين أيضاً بالأولية والآخرية ، قال
: ( ألم نُهلك الأوَّلين – ثُمَّ نتبعهم الآخِرِينَ ) [ المرسلات : 16-17 ] .
 ولا شك أن ما وصف الله به نفسه من ذلك لائق بجلاله وكماله كما أن للمخلوقين أوليه وآخرية مناسبة لحالهم وفنائهم وعجزهم وافتقارهم .
3 ، 4- الوحدانية والغنى بالنفس :
وصف نفسه بأنه واحد ، قال :
( وإلهكم إلهٌ واحدٌ ) [ البقرة : 163 ]
ووصف بعض المخلوقين بذلك ، قال :
 ( يُسقى بماءٍ واحدٍ ) [ الرعد : 4 ] .
ووصف نفسه بالغنى
( إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإنَّ الله لغني حميد ) [إبراهيم : 8] ،
 ( فكفروا وتولَّوا وَّاستغنى الله والله غنيٌّ حميدٌ ) [ التغابن : 6 ]
 ووصف بعض المخلوقين بذلك ، قال :
 ( ومن كان غنيّاً فليستعفِف ) [ النساء : 6] ،
 ( إن يكونوا فقراء يُغنهمُ الله مِن فَضلِهِ ) [ النور : 32 ] .
فهذه صفات السلب ، جاء في القرآن وصف الخالق ووصف المخلوق بها . ولا شك أن ما وصف به الخالق منها لائق بكماله وجلاله ، وما وصف به المخلوق مناسب لحاله وعجزه وفنائه وافتقاره .
تحقيق القول في الصفات المعنوية
ثم تكلم الشيخ على ما أسماه علماء الكلام بالصفات السبع المعنوية التي هي كونه تعالى قادراً ومريداً وعالماً وحياً وسميعاً وبصيراً ومتكلماً ، وبين أن حقيقتها هي كيفية الاتصاف بالمعاني السبعة التي ذكرنا .
ومن عدّها من المتكلمين عدها بناء على ثبوت ما يسمونه الحال المعنوية التي يزعمون أنها واسطة ثبوتية ، لا معدومة ولا موجودة .
ولم يرتض الشيخ إثبات هذا النوع من الصفات ، فقال : " والتحقيق أن هذه خرافة وخيال ، وأن العقل الصحيح لا يجعل بين الشيء ونقيضه واسطة ألبتة ، فكل ما ليس بموجود فهو معدوم قطعاً ، وكل ما ليس بمعدوم فهو موجود قطعاً ، ولا واسطة ألبتة ، كما هو معروف عند العقلاء " .
صفات الأفعال
ثم تكلم الشيخ على صفات الأفعال ، فقال : وهذه صفات الأفعال جاء في القرآن كثيراً وصف الخالق بها ووصف المخلوق بها ، ولا شك أن ما وصف به الخالق منها مخالف لما وصف به المخلوق ،كالمخالفة التي بين ذات الخالـق وذات المخلوق ، ومن هذه ال

المزيد


( قصة )عقيدة التوحيدفي الإسلام 3

آذار 8th, 2008 كتبها دمشقي نشر في , ( قصة )عقيدة التوحيد

 

التعرف إلى الله من خلال النصوص
 
( مباحث الصفات والأسماء )
 
ذكرنا أن السبيل الثاني الذي يعرفنا بالله هو النصوص القرآنية والحديثية التي تتحدث عن الله حديثاً مباشراً مبينة صفاته وأسماءه وأفعاله .
وهذا السبيل سبيل نيّر مأمون العواقب ؛ لأن التعرف إلى الله من خلال كلامه وكلام رسوله لا يبقي مجالاً للشك والالتباس .
وقد حرصنا على أن نسوق النصوص ذاتها في أكثر الموضوعات ؛ فإنها أقدر على التعبير والتوضيح من نصوص البشر وكلامهم ، كما حرصت على ألا أزيف النصوص بالتأويل والتحريف كما فعل كثير من السابقين كي توافق آراء البشر ومقاييسهم ، والواجب أن يغير البشر من آرائهم ومقاييسهم كي توافق النصوص .
المطلب الأول
 
مدى إدراك العقل لصفات الله
صفات الله جاء بها القرآن وتحدثت عنها السنة النبوية قسمان :
الأول :
 ما لا يستطيع العقل الإنساني التعرف عليه وإدراكه بنفسه ، أي من غير طريق النصوص كإثبات اليد والوجه لله .
الثاني :
 ما يمكن أن يستدلّ عليه بالعقل كاتصافه بالقدرة والحكمة ، ونحن لن نستقصي ذكر صفات الله ، ولكن سنذكر جملة منها توضح المراد ، وتحرر المقصود ، وتعطي تصوراً وافياً إن شاء الله تعالى .
 

المطلب الثاني
جملة من الصفات التي جاءت بها النصوص ( الجزء الأول )
1-
 لله ذات
لله – سبحانه –
 ذات متصفة بصفات الكمال منزّهة عن صفات النقص ، والذي يقرأ حديث القرآن عن الله يعلم علماً قاطعاً بأنّ له ذاتاً
 ( الله لا إله إلاَّ هو الحي القيُّوم لا تأخذه سنةٌ ولا نومُ )
 [ البقرة : 255 ] .
( قل هو الله أحد – الله الصمد – لم يلد ولم يولد – ولم يكن له كفواً أحد )
 [الإخلاص]
، وعندما أراد الكفار قتل خبيب أنشد (1) :
 

ولستُ أبالي حين أُقتل مسلماً ××× على أيّ شقٍّ كان لله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ ××× يبارك على أوصال شلوٍ ممزّع

وذات الله لا تشبه ذوات المخلوقين ، كما أنّ صفاته لا تشبه شيئاً من صفات المخلوقين ، فالله هو الكمال الذي لا كمال بعده ، وكلّ مخلوق لا بدّ أن يكون فيه نقص في جانب من الجوانب ، أدناها حاجته وفقره إلى غيره .
يقول تعالى نافياً المشابهة بينه وبين خلقه :
 ( ليس كمثله شيءٌ وهو السَّميع البصير )
[ الشورى : 11 ] .
2-
 نفسه سبحانه
لله تعالى نفس تليق بكماله وجلاله ، لا تشبه نفوس المخلوقات ، وقد أخبرنا الله بذلك في محكم كتابه ، قال تعالى :
 ( وإذا جاءك الَّذين يؤمنون بِآيَاتِنَا فقل سلامٌ عليكم كتب ربُّكم على نفسه الرَّحمة أنَّه من عمل منكم سوءاً بجهالةٍ ثمَّ تاب من بعده وأصلح فأنَّه غفورٌ رَّحيمٌ )
[ الأنعام : 54 ] .
فقد أخبر – سبحانه –
أنّ له نفساً ، وأنّه كتب على نفسه الرحمة ، ونصّ الله على ذلك في آية أخرى
 ( قل لمن مَّا في السَّماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرَّحمة ليجمعنَّكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه )
 [ الأنعام : 12 ] .
وقد فسرّ الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاً من هذه الكتابة ، ففي الحديث الذي يرويه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
( لمّا قضى الله الخلق كتب كتاباً ، فهو عنده فوق العرش : إنّ رحمتي تسبق غضبي )
 وفي رواية
( تغلب غضبي ) ، متفق عليه (2)،
 وإثبات النفس لله منهج الرسل من قبل ، فهذا عيسى يقول لرب العزة :
( تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنَّك أنت عَّلامُ الغيوب )
 [ المائدة : 116 ] ،
 وقال الله لرسوله موسى :
( ثمَّ جئت على قدرٍ يا موسى – واصطنعتك لنفسي )
[ طه : 40-41 ] .
وقد حذرنا الحقّ نفسه فقال :
 ( ويحذّركم الله نفسه والله رَؤُوفُ بالعباد )
 [ آل عمران : 30 ] .
والله يذكر عباده في عباده الذين يذكرونه في أنفسهم ، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحهما
عن أبي هريرة أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال :
 ( يقول الله تعالى : أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ، ذكرته في نفسي ، وإن
 ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ) . (3)
وذكر الله يرضي نفس ربنا تبارك وتعالى ، ففي حديث مسلم عن ابن عباس عن جويرية : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح ، وهي في مسجدها ، ثم رجع بعد أن أضحى ، وهي جالسة ،
 فقال :
( ما زلت على الحال التي فارقتك عليها ؟ ) .
 قالت : نعم .
قال النبي صلى الله عليه وسلم :
 ( لقد قلت بعدك أربع كلمات ، ثلاث مرات ، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن :
 سبحان الله وبحمده ، عدد خلقه ، ورضا نفسه ، وزنة عرشة ، ومداد كلماته ) . (4)
3- وجه ربنا سبحانه
لله – سبحانه –
 وجه لا يشبه وجوه المخلوقين ، نصدّق بذلك ونؤمن به ؛ لأنّ الله أخبرنا بذلك في كتابه ، ونصّ عليه الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديثه .
قال تعالى :
( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام )
 [الرحمن :27] ،
 يقول ابن جرير عند تفسيره لهذه الآية :
 و
 ( ذو الجلال والإكرام )
 من نعت الوجه ، فلذلك رفع
( ذو ) . (5)
وقد نفى بعض السابقين إثبات الوجه لله تعالى ، وزعموا أنّ الوصف بقوله :
 ( ذو الجلال والإكرام )
 إنمّا هو للرب فالمنعوت
 بـ
( ذو الجلال والإكرام )
 عندهم الربّ لا الوجه .
وقد ردّ هذا الزعم الإمام ابن خزيمة ، فقال : " هذه دعوى يدّعيها جاهل بلغة العرب ، لأنّ الله – جلّ وعلا – قال :
( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام )
 فذكر الوجه مضموماً في هذا الموضع مرفوعاً ، وذكر الرب بخفض الباء بإضافة الوجه ، ولو كان قوله :
( ذو الجلال والإكرام )
 مردوداً إلى ذكر الرب في هذا الموضع لكانت القراءة ذي الجلال والإكرام مخفوضاً … " . (6)
ومن النصوص التي جاء فيها إثبات الوجه لله قوله تعالى :
 ( كلٌّ شيءٍ هالك إلاَّ وجهه )
 [ القصص : 88 ] .
 
أثر الإيمان بوجه الله تعالى
 
أ- قصد وجه الله بصالح الأعمال
إذا علمنا ما قرره الله فعلينا أن نقصد وجه ربنا بأعمالنا كما أرشد الله إلى ذلك في محكم كتابه ، فالعمل الذي لا يقصد به وجهه باطل :
( كلٌّ شيءٍ هالك إلاَّ وجهه )
 [ القصص : 88 ] .
ومن ذلك إنفاق المال ابتغاء وجهه :
( وما آتَيْتُم من زَكَاةٍ تريدون وجه الله فأولئِك هم المضعفون )
 [ الروم : 39 ] .
وقد وصف عباده الصالحين بأنّهم يريدون بعملهم وجهه ، ولا شيء غير وجهه
( إنَّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً و لا شكوراً )
 [ الإنسان : 9 ] ،
 ( وما لأحدٍ عنده من نعمةٍ تجزى – إلاَّ ابتغاء وجه ربه الأعلى )
 [ الليل : 19-20 ]
 ( واصبر نفسك مع الَّذين يدعون ربَّهم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يريدون وجهه )
 [ الكهف : 28 ] .
وفي الصحيحين من حديث عتبان بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( فإن الله قد حرم على النار من قال : لا إله إلا الله ، يبتغي بذلك وجه الله ) . (7)
ب- الاستعاذة بوجهه سبحانه
وقد فعل ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فقد روى جابر بن عبد الله أنَّه  لما نزلت هذه الآية :
( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم )
[الأنعام: 65] ،
 قال النبي صلى الله عليه وسلم :
 ( أعوذ بوجهك )
 فقال :
( أو من تحت أرجلكم )
 [الأنعام : 65]
، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
 ( أعوذ بوجهك ) ،
 قال :
 ( أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعضٍ )
[ الأنعام : 65 ]
 فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
( هذا أيسر ) . (8)
وعن علي بن أبي طالب :
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند مضجعه :
( اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم ، وبكلماتك التامات من شرّ كل دابة أنت آخذ بناصيتها ) . رواه أبو داود (9)
ج- إجابة من سألك بوجه الله
فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( من استعاذ بالله فأعيِذُوهُ ، ومن سألكم بوجه الله فأعطوه ) . (10)
د- الطمع في رؤية وجه الله
عن عمار بن ياسر أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول : ( اللهم بعلمك الغيب ، وقدرتك على الخلق ، أحيني ما علمت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي .
اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة .
وأسألك كلمة الحق والعدل في الغضب والرّضا .
وأسألك القصد في الفقر والغنى .
وأسألك نعيماً لا يبيدُ .
وأسألك قرة عين لا تنقطع .
وأسألك الرضا بعد القضاء .
وأسألك برد العيش بعد الموت .
وأسألك لذة النظر إلى وجهك .
وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ، ولا فتنة مضلة .
اللهم زينا بزينة الإيمان ، واجعلنا هداة مهتدين ) . (11)
وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة المذكورة في قوله تعالى :
( للَّذين أحسنوا الحسنى وزيادةٌ )
 [ يونس : 26 ]
 بأنها النظر إلى وجه ربنا عزّ وجلّ ، ونقل القول بذلك عن أبي بكر وحذيفة ثم قال :
 ( الآثار في معنى هذا عن الصحابة والتابعين – رضي الله عنهم – كثيرة ) . (12)
وروى مسلم في صحيحه عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
 ( إذا دخل أهل الجنة الجنة ، قال : يقول الله تبارك وتعالى : تريدون شيئاً أزيدكم ؟ فيقولون : ألم تبيِّض وجوهنا ؟ ألم تدخلنا الجنة ، وتنجنا من النار ؟ قال : فيكشف الحجاب ، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم عزّ وجل )
 ثمّ تلا هذه الآية :
 ( للَّذين أحسنوا الحسنى وزيادةٌ )
[ يونس : 26 ] . (13)
وقد جاء في الصحيحين أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
 ( جنتان من فضة : آنيتهما وما فيهما ، وجنتان من ذهب : آنيتهما وما فيهما ، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداءُ الكبرياء على وجهه في جنة عدن ) . (14)
حجاب وجهه تبارك وتعالى :
عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
 ( إن الله – عزّ وجلّ – لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار ، وعملُ النهار قبل عمل الليل ، حِجَابُهُ النور ( وفي رواية أبي بكر : النار ) لو كشفه لأحرقتْ سبحاتُ وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ) .
(15)
وهذا التردد من الراوي في لفظ النّور والنّار لا يضرّ ، فإن مثل هذه النّار الصافية التي كلم الله بها موسى يقال لها : نور ونار كما سمّى الله نار المصباح نوراً ، بخلاف النّار المظلمة كنار جهنّم فتلك لا تسمى نوراً .
وهذه الحجب تحجب العباد عن الإدراك ، كما قد يحجب الغمام والسقوف عنهم الشمس والقمر ، فإذا زالت تجلت الشمس والقمر ، وليس المراد أنّها تحجب الله عن الرؤية ، فهذا لا يقوله مسلم ، فإنّ الله لا يخفى عليه شيء في السماء ولا في الأرض ، ولكن يحجب أنواره إلى مخلوقاته . كما قال :
 ( لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه )
 فالبصر يدرك الخلق كلهم ، وأما السبحات فهي محجوبة بحجابه النور أو النّار .
4- لله سبحانه يدان
ولله – سبحانه وتعالى –
 يدان تليقان بجلاله وكماله ، لا تشبهان شيئاً من أيدي المخلوقين ، قال تعالى :
( بل يداه مبسوطتان )
 [ المائدة : 64 ] ،
 وقال مقرّعاً إبليس حين رفض السجود لآدم :
( قال يَا إِبْلِيسُ ما منعك أن تسجد لما خلقت بِيَدَيَّ )
[ ص : 75 ] .
 
تمجيد الله بذكر يديه :
 
وردت أحاديث عديدة فيها تمجيد الرب – تبارك وتعالى – بذكر يديه ، وأن الخير فيهما ، فأهل الجنة يناديهم ربهم فيقول لهم :
( يا أهل الجنّة ، فيقولون : لبيك ربنا وسعديك ، والخير في يديك ) . (16)
وينادي ربنا آدم عليه السلام يوم القيامة ، فيقول آدم مجيباً :
 ( لبيّك وسعديك ، والخير كله في يديك ) . (17)
وكان من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة من الليل :
( لبيك وسعديك ، والخير في يديك ) . (18)
وكان من تلبية ابن عمر :
 " لبيك وسعديك ، والخير في يديك " . (19)
بسط الربّ يديه :
وهو – سبحانه –
 كريم يبسط يديه بالعطاء والإنفاق
( بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء )
[ المائدة : 64 ] .
كما أنّه يبسط يديه بالليل والنّهار ليتوب العباد ، ففي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ،
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
 ( إن الله يبسط يده بالليل ، ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ، ليتوب مسيء الليل ، حتى تطلع الشمس من مغربها ) .
(20)
 
الأشياء التي خلقها الرحمن بيده :


المزيد


( قصة )عقيدة التوحيدفي الإسلام 2

آذار 8th, 2008 كتبها دمشقي نشر في , ( قصة )عقيدة التوحيد

العلماء يبينون عجائب صنع الله في خلقه

( الجزء الثاني )

11- من عجائب القرود

ومن عجيب أمر القرود ما ذكره البخاري في صحيحه ، عن عمرو بن ميمون الأودي ، قال : رأيت في الجاهلية قرداً وقردة زنيا ، فاجتمع عليهما القرود فرجموهما حتى ماتا ، فهؤلاء القرود أقاموا حد الله حين عطله بنو آدم .

12- من عجائب البقر

وهذه البقر يضرب ببلادتها المثل ، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم : ( أنّ رجلاً بينما هو يسُوق بقرة إذ ركبها فقالت : ( لم أخلق لهذا )  فقال الناس : سبحان الله بقرة تتكلم ؟! فقال : ( فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر ، وما هما ثَمّ ) .

قال : ( وبينما رجل يرعى غنماً له إذا عدا الذئبُ على شاة منها فاستنفذها منه ، فقال الذئب : هذه استنفذتها مني ، فمن لها يوم السبُع يوم لا راعي لها غيري ) ، فقال الناس : سبحان الله ذئب يتكلم ؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إني أومنُ بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثمّ ) .

13- من عجائب الفئران

ومن عجيب أمر الفئران أنها إذا شربت من الزيت الذي في أعلى الجرة فنقص وعزّ عليها الوصول إليه ذهبت ، وحملت في أفواهها ماءً وصبته في الجرة ، حتى يرتفع الزيت فتشربه .

14- من عجائب الحيوان استخدامه الدواء

والأطباء تزعم أن الحقنة أخذت من طائر طويل المنقار ، إذا تعسر عليه الذرق جاء إلى البحر المالح ، وأخذ بمنقاره منه واحتقن به ، فيخرج الذرق بسرعة .

وهذا ابن عرس والقنفذ إذا أكلا الأفاعي والحيات عمدا إلى الصتر النهري ، فأكلاه كالترياق لذلك .

وهذا الثعلب إذا أصابه صدع أو جرح يأتي إلى صبغ معروف ، فيأخذ منه ، ويضعه على جرحه كالمرهم ، والدبّ إذا أصابه جرح يأتي إلى نبت قد عرفه ، وجهله صاحب الحشائش ، فيتداوى به فيبرأ !

15- تعلم الإنسان من الحيوان

وكثير من العقلاء يتعلم من الحيوانات البهم أموراً تنفعه في معاشه وأخلاقه وصناعته وحربه وحزمه وصبره ، وهداية الحيوان فوق هداية أكثر الناس قال تعالى :

 ( أمّ تحسب أنَّ أكثرهم يسمعون أو يعقلون عن هم إلاَّ كالأنعام بل هم أضلُّ سبيلاً )

 [ الفرقان : 44 ]

قال أبو جعفر الباقر : والله ما اقتصر على تشبيههم بالأنعام ، حتى جعلهم أضل سبيلاً منها ، فن هدى الأنثى من السباع إذا وضعت ولدها أن ترفعه في الهواء أياماً تهرب به من الذر والنمل ، لأنها تضعه كقطعة من لحم ، فهي تخاف عليه الذر والنمل ، فلا تزال ترفعه وتضعه وتحوله من مكان إلى مكان حتى يشتد .

وقال ابن الأعرابي : قيل لشيخ من قريش : مَنّ علمك هذا كله ، وإنما يعرف مثله أصحاب التجارب والتكسب ؟

 قال :

علمني الله ما علم الحمامة تقلب بيضها حتى تعطي الوجهين جميعاً نصيبهما من حضانتها ، ولخوف طباع الأرض على البيض إذا استمر على جانب واحد .

وقيل لآخر :

 مَنْ علمك اللجاج في الحاجة والصبر عليها وإن استعصت حتى تظفر بها ؟

 قال :

 مِنْ علم الخنفساء إذا صعدت في الحائط تسقط ، ثم تصعد ، ثم تسقط مراراً عديدة ، حتى تستمر صاعدة .

وقيل لآخر :

 مَنْ علمك البكور في حوائجك أول النهار لا تخل به ؟

 قال :

 من علم الطير تغدو خماصاً كل بكرة في طلب أقواتها على قربها وبعدها ، لا تسأم ذلك ، ولا تخاف ما يعرض لها في الجو والأرض .

وقيل لآخر :

 مَنْ علمك السكون والتحفظ والتماوت حتى تظفر بأربك ، فإذا ظفرت به وثبت وثوب الأسد على فريسته ؟

 فقال :

الذي علم السِّنَّورة أن ترصد جحر الفأرة ، فلا تتحرك ولا تتلوى ، ولا تختلج كأنها ميتة ، حتى إذا برزت لها الفأرة وثبت عليها كالأسد .

وقيل لآخر :

مَنْ علمك الصبر والجلد والاحتمال وعدم السكون ؟

 قال :

 من علم ابا أيوب صبره على الأثقال والأحمال الثقيلة ، والمشي والتعب وغلظة الجمّال وضربه ، فالثقل والكل على ظهره ، ومرارة الجوع والعطش في كبده ، وجهد التعب والمشقة ملأ جوارحه ولا يعدل به ذلك عن الصبر .

وقيل لآخر :

 مَنْ علمك حسن الإيثار والسماحة بالبذل ؟

 قال :

 من علم الديك يصادف الحبة في الأرض ، وهو يحتاج إليها فلا يأكلها ؛ بل يستدعي الدجاج ويطلبهن طلباً حثيثاً ، حتى تجيء الواحدة منهن فتلقطها ، وهو مسرور بذلك طيب النفس به ، وإذا وضع له الحب الكثير فرّقه هنا وها هنا ، وإن لم يكن هناك دجاج ، لأن طبعه قد ألف البذل والجود ، فهو يرى من اللؤم أن يستبد وحده بالطعام .

وقيل لآخر :

 مَنْ علمك هذا التحيل في طلب الرزق ووجوه تحصيله ؟

 قال :

 من علم الثعلب تلك الحيل التي يعجز العقلاء عن علمها وعملها ، وهي أكثر من أن تذكر .

ومَنْ علم الأسد إذا مشى وخاف أن يقتفى أثره ويطلب ، عفى أثر مشيته بِذَنَبِه ، ومن علمه أن يأتي إلى شبله في اليوم الثالث من وضعه ، فينفخ في منخريه ، لأن اللبوة تضعه جرواً كالميت ، فلا تزال تحرسه حتى يأتي أبوه فيفعل به ذلك ! .

ومن ألهم كرام الأسود وأشرافها أن لا تأكل إلا من فريستها ، وإذا مر بفريسة غيره لم يدن منها ولو جهده الجوع !

ومن علم الأنثى من الفيلة إذا دنا وقت ولادتها أن تأتي إلى الماء فتلد فيه ، لأنها دون الحيوانات لا تلد إلا قائمة ، لأن أوصالها على خلاف أوصال الحيوان ، وهي عالية ، فتخاف أن تسقطه على الأرض فينصدع أو ينشق ، فتأتي ماء وسطاً تضعه فيه يكون كالفراش اللين والوطاء الناعم .

ومن علم الذباب إذا سقط في مائع أن يتقي بالجناح الذي فيه الداء دون الآخر !

ومَنْ علم الكلب إذا عاين الظباء أن يعرف المعتل من غيره ، والذكر من الأنثى ، فيقصد الذكر مع علمه بأنّ عدوه أشد وأبعد وثبة ، ويدع الأنثى على نقصان عدوها ؛ لأنّه قد علم أن الذكر إذا عدا شوطاً أو شوطين حقن ببوله ، وكل حيوان إذا اشتد فزعه فإنه يدركه الحقن ، وإذا حقن الذكر لم يستطع البول مع شدة العدو ، فيقل عدوه ، فيدركـه الكلب ، وأما الأنثى فتحذف بولها لسعـة القبل وسهولة المخرج ، فيدوم عدوها !.

ومَنْ علمه أنه إذا كسا الثلج الأرض أن يتأمل الموضع الرقيق الذي قد انخسف ، فيعلم أن تحته حجر الأرانب ، فينبشه ، ويصطادها علماً منه بأن حرارة أنفاسها تذيب بعض الثلج فيرق !

ومن علم الذئب إذا نام أن يجعل النوم نوباً بين عينيه ، فينام بإحداهما ، حتى إذا نعست الأخرى نام بها ، وفتح النائمة ! حتى قال بعض العرب :

ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ××× بأخرى المنايا فهو يقظان نائم

ومَنْ علم العصفورة إذا سقط فرخها أن تستغيث ، فلا يبقى عصفور بجوارها حتى يجيء ، فيطيرون حول الفرخ ، ويحركونه بأفعالهم ، ويحدثون له قوة وهمة وحركة ، حتى يطير معهم !

قال بعض الصيادين : ربما رأيت العصفور على الحائط ، فأومي بيدي كأني أرميه فلا يطير ، وربما أهويت إلى الأرض كأني أتناول شيئاً فلا يتحرك ، فإن مسست بيدي أدنى حصاة أو حجر أو نواة طار قبل أن تتمكن منها يدي .

ومن علم

 (( اللبب ))

 وهو صنف من العناكب أن يلطأ بالأرض ، ويجمع نفسه ، فيرى الذبابة أنه لاه عنها ، ثم يثب عليها وثوب الفهد !

ومن علم

 العنكبوت

 أن تنسج تلك الشبكة الرفيعة المحكمة ، وتجعل في أعلاها خيطاً ثم تتعلق به ، فإذا تعرقلت البعوضة في الشبكة تدلت إليها فاصطادتها !

ومن علم

 الظبي

 أن لا يدخل كناسه إلا مستدبراً ، ليستقبل بعينه ما يخافه على نفسه وخشفه !

ومن علم

 السنور

 إذا رأى فأرة في السقف أن يرفع رأسه كالمشير إليها بالعود ، ثم يشير إليها بالرجوع ، وإنما يريد أن يدهشها فتزلق فتسقط !

ومن علم

 اليربوع

أن يحفر بيته في سفح الوادي حيث يرتفع عن مجرى السيل ليسلم من مدق الحافر ومجرى الماء ، ويعمقه ثم يتخذ يف زواياه أبواباً عديدة ، ويجعل بينها وبين وجه الأرض حاجزاً رقيقاً ، فإذا أحس بالشر فتح بعضها بأيسر شيء ، وخرج منه ، ولما كان كثير النسيان لم يحفر بيته إلا عند أكمة أو صخرة علامة له على البيت ، إذا ضل عنه!

ومن علم

 الفهد

 إذا سمن أن يتوارى لثقل الحركة عليه حتى يذهب ذلك السمن ، ثم يظهر !

ومن علم الأيل إذا سقط قرنه أن يتوارى ، لأنّ سلاحه قد ذهب ، فيسمن لذلك ، فإذا كمل نبات قرنه تعرض للشمس والريح ، وأكثر من الحركة ليشتد لحمه ، ويزول السمن المانع له من  العدو .

وهذا باب واسع جداً ، ويكفي فيه قوله – سبحانه –

( وما من دابَّةٍ في الأرض ولا طائِرٍ يطير بجناحيه إلاَّ أمم أمثالكم مَّا فرَّطنا في الكتاب من شيء ثمَّ إلى ربهم يحشرون – والَّذين كذَّبوا بِآيَاتِنَا صمٌّ وبكمٌ في الظُّلمات من يَشَإِ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراطٍ مستقيمٍ )

 

 [ الأنعام : 38-39 ] .

 

وجه المماثلة بين الحيوانات وبني الإنسان :

قال ابن عباس في رواية عطاء :

( إلاَّ أمم أمثالكم )

 [ الأنعام : 38 ] ،

 ويريد : يعرفونني ، ويوحدونني ، ويسبحونني ، ويحمدونني ، مثل قوله تعالى :

 ( وإن من شيءٍ إلاَّ يسبح بحمده )

 [ الإسراء : 44 ] ،

 ومثل قوله :

 ( ألم تر أنَّ الله يسبح له من في السَّماوات والأرض والطَّير صافاتٍ كلٌّ قد علم صلاته وتسبيحه )

[ النور : 41 ] .

ويدل على هذا قوله تعالى :

 ( ألم تر أنَّ الله يسجد له من في السَّماوات ومن في الأرض والشَّمس والقمر والنُّجوم والجبال والشَّجر والدَّواب )

 [ الحج : 18 ]

 وقوله :

 ( ولله يسجد ما في السَّماوات وما في الأرض من دابّةٍ والملائكة وهم لا يستكبرون )

 [النحل : 49 ] ،

 ويدل عليه قوله تعالى :

 ( يا جبال أوّبي معه والطَّير )

 [ سبأ : 10 ] ،

 ويدل عليه قوله :

( وأوحى ربُّك إلى النَّحل )

 [ النحل : 68 ] ،

وقوله :

 ( قالت نملةٌ يا أيُّها النَّمل )

[ النمل : 18 ] ،

 وقول سليمان

( عُلّمنا منطق الطَّير )

[ النمل : 16 ] .

وقال مجاهد :

أمم أمثالكم ، أصناف مصنفة تعرف بأسمائها ، وقال الزجاج : أمم أمثالكم في أنها تبعث .

وقال ابن قتيبة :

 أمم أمثالكم في طلب الغذاء ، وابتغاء الرزق ، وتوقي المهالك .

وقال سفيان بن عيينة :

 ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من البهائم ، فمنهم من يهتصر اهتصار الأسد ، ومنهم من يعدو عدو الذئب ، ومنهم من ينبح نباح الكلب ، ومنهم من يتطوس كفعل الطاووس ، ومنهم من يشبه الخنازير التي لو ألقي عليها الطعام الطيب عافته ، فإذا قام الرجل عن رجيعه ولغت فيه ، فلذلك تجد من الآدميين من لو سمع خمسين كلمة لم يحفظ واحدة منها ، وإن أخطأ رجل ترّواه وحفظه .

قال الخطابي :

 ما أحسن ما تأول سفيان هذه الآية واستنبط منها هذه الحكمة ، وذلك أن الكلام إذا لم يكن حكمه مطاوعاً لظاهره وجب المصير إلى باطنه ، وقد أخبر الله عن وجود المماثلة بين الإنسان وبين كل طائر ودابة ، وذلك ممتنع من جهة الخلقة والصورة ، وعدم من جهة النطق والمعرفة ، فوجب أن يكون منصرفاً إلى المماثلة في الطباع والأخلاق .

والله – سبحانه –

 قد جعل بعض الدواب كسوباً محتالاً ، وبعضها متوكلاً غير محتال ، وبعض الحشرات يدخر لنفسه قوت سنته ، وبعضها يتكل على الثقة بأن له في كل يوم قدر كفايته رزقاً مضموناً وأمراً مقطوعاً ، وبعضها لا يعرف ولده ألبتة ، وبعض الإناث تكفل ولدها لا تعدوه ، وبعضها تضيع ولدها ، وتكفل ولد غيرها ، وبعضها لا تعرف ولدها إذا استغنى عنها ، وبعضها يدخر ، وبعضها لا تكسب له ، وبعض الذكور يعول ولده ، وبعضها لا تزال تعرفه وتعطف عليه .

وجعل بعض الحيوانات يُتمها من قِبل أمهاتها ،وبعضها يُتمها من قبل آبائها ، وبعضها لا يلتمس الولد ، وبعضها يستفرغ الهم في طلبه ، وبعضها يعرف الإحسان ويشكره ، وبعضها ليس ذلك عنده شيئاً ، وبعضها يؤثر على نفسه ، وبعضها إذا ظفر بما يكفي أمة من جنسه لم يدع أحداً يدنو منه .

وبعضها يألف بني آدم ويأنس بهم ، وبعضها يستوحش منهم ، وينفر غاية النفار ، وبعضها لا يأكل إلا الطيب ، وبعضها لا يأكل إلا الخبائث ، وبعضها يجمع بين الأمرين .

وبعضها لا يؤذي إلا من بالغ في أذاها ، وبعضها يؤذي من لا يؤذيها ، وبعضها حقود لا ينسى الإساءة ، وبعضها لا يذكرها ألبتة ، وبعضها لا يغضب ، وبعضها يشتد غضبه ، فلا يزال يسترضى حتى يرضى ، وبعضها عنده علم ومعرفة بأمور دقيقة لا يهتدي إليها أكثر الناس ، وبعضها لا معرفة له بشيء من ذلك ألبتة ، وبعضها يستقبح القبيح وينفر منه ، وبعضها الحسن والقبيح سواء عنده ، وبعضها يقبل التعليم بسرعة ، وبعضها مع الطول ، وبعضها لا يقبل ذلك بحال .

وهذا كله من أدل الدلائل على الخالق لها سبحانه ، وعلى إتقان صنعه ، وعجيب تدبيره ، ولطيف حكمته ، فإن فيما أودعها من غرائب المعارف ، وغوامض الحيل ، وحسن التدبير ، والتأني لما تريده ، ما يستنطق الأفواه بالتسبيح ، ويملأ القلوب من معرفته ومعرفة حكمته وقدرته ، وما يعلم به كل عاقل أنه لم يخلق عبثاً ، ولم يترك سدى ، وأن له – سبحانه – في كل مخلوق حكمة باهرة وآية ظاهرة وبرهاناً قاطعاً ، يدل على أنه رب كل شيء ومليكه ، وأنه المتفرد بكل كمال دون خلقه ، وأنه على كل شيء قدير ، وبكل شيء عليم .

16- هداية الخالق الكائنات لطريقة التكاثر

يقول الدكتور يوسف عز الدين موضحاً هذا الموضوع : " من الأشياء العجيبة التي تشترك فيها جميع الكائنات الحية القدرة على التكاثر ، لتكوين ذرية يكون من شأنها الاستمرار بالحياة ، واستمرار بقاء النوع وعدم انقراضه .

وتتم عملية إنجاب الذرية في الكائنات الحية المختلفة بطرق شتى ، ولكنّها تصل إلى الهدف المنشود . (فالبكتريا) (وهي من النباتات) تتكاثر ، وكذلك تفعل باقي النباتات والحيوانات على اختلاف درجة فيها . ولا يمكن من وجهة نظر العلوم الرياضية أن تحدث مصادفات يكون من شأنها إيجاد ذكر أو أنثى في آلاف من النباتات والحيوانات لهدف مرسوم ومحدد وهو إنجاب ذرية تبقى بعد الفناء .

ومن الحيوانات والنباتات ما لا يتميز فيها ذكر وأنثى ، ومع ذلك فإنّها تتكاثر وتنجب ذرية ، فحيوان صغير الحجم أوّلي مثل حيوان (الأميبا) الذي يعيش في الماء والمكّون جسمه من خلية واحدة يتكاثر بطريقة عجيبة ، إذ إنّ الحيوان الواحد ينقسم إلى قسمين ، وكل قسم يتحول إلى حيوان ، والحيوانات المتكونة من الانقسام تنقسم بدورها إلى حيوانين وهكذا … يحدث هذا عندما تكون ظروف الحياة ملائمة وعادية .

أمَّا إذا شعر هذا الحيوان بما ينذر بالخطر فإنّه يتحوصل ؛ أي يفرز حول جسمه حوصلة ، وينقسم إلى حيوانين ، بل عشرات الحيوانات داخل الحوصلة ؛ لكي يعوض الوقت الذي قد يضيع هباء داخل الحوصلة إلى حين رجوع الظروف الملائمة لحياته .

ويحدث التكاثر عن طريق الانقسام في الحيوانات أولية عديدة غير ( الأميبا ) مثل الحيوان المسمى : (البراميسيوم) وهو يعيش في الماء ، ويتكاثر أيضاً بالانقسام الثنائي في الظروف الملائمة كما تنقسم (الأميبا) ، ولكنه من آن لآخر يحتاج إلى تجديد نشاطه وحيويته ، فيلجأ إلى طريقة أخرى للتكاثر بالغة التعقيد يكون من شأنها تجنيد النَّوى ( ولكل خلية نواة كما هو معلوم ) حيث ينجب كل فرخ في هذه الحالة أربعة أفراد بدلاً من انقسام حيوان إلى حيوانين فقط .

وفي الحيوانات الأرقى من هذه الحيوانات الأولية ، إذا كانت ظروف الحياة تحول دون سهولة التقاء الأنثى بالذكر لإنجاب الذرية ، فإنّ الحيوان في هذه الحالة يصبح أنثى ذكراً في الوقت نفسه ، أي يصبح خنثى حيث يضم جسمه أعضاء التناسل الأنثوية والذكرية جنباً إلى جنب ، فيستطيع بذلك أن ينجب ذريته دون حاجة إلى انتظار فرصة التقاء الجنسين ، يحدث هذا مثلاً في الدودة الكبدية التي تعيش في القنوات المرارية لبعض الحيوانات حيث يصعب على أحد الجنسين التنقل والتجول في هذا المكان الضيق للعثور على الجنس الآخر ، وفي الوقت نفسه إذا حدث أن التقى حيوانان من هذه الديدان من الممكن أن يلقح أحدهما الآخر حيث يصبح أحدهما وكأنه أنثى ، ويصبح الآخر وكأنه ذكر .

إن حدوث ملايين المصادفات في آن واحد لهدف معين مشترك وفي حيوانات مختلفة وبوسائل متباينة شيء لا يقره العلم ، ولا تقره علوم الرياضيات ، وفي هذه الحالة لا بدّ أن يسلم بوجود قوة خالقة عاملة وراء هذا كله .

ومنذ وجود أول حيوان ثديي على هذه الأرض ، والأنثى مزودة بمصنع لإنتاج اللبن ، وذلك لكي يضمن الصغير الحصول على غذائه بمجرد خروجه من بطه أمه ، ولو لم يجد هذا الثدي الذي يبرز من جسم الأم منذ أول حيوان ثديي لما أتيحت فرصة النمو والبقاء

المزيد


( قصة )عقيدة التوحيدفي الإسلام 1

آذار 8th, 2008 كتبها دمشقي نشر في , ( قصة )عقيدة التوحيد

 
 
التعريف
بالله
 وربط القلوب به
 
ما كان لنا أن نطيل في عرض المسألة الأولى لولا ما أثير حولها من شكوك وشبهات تقتضي من الباحث أن يبين عوارها :
وقد آن لنا أن نبسط القول في المسألة الثانية ، وهي أهم مسائل هذا الباب ، وصلب هذه المباحث .
وقد سبق أن قررنا أن القرآن سلك سبيلين لتقرير هذه الحقيقة الكبيرة :
الأولى : الحديث عن بديع صنع الله في خلقه ، وبيان ما في هذا الكون من إعجاز يشي بعظمة الخالق سبحانه .
الثانية : الحديث المباشر عن الله : ذاته ، وأسمائه ، وصفاته ، ونعمه ومخلوقاته ، وسنحاول – إن شاء الله تعالى – أن نفصل القول في ذلك ، والله المستعان .
دلالة الآيات الكونية على خالقها ومبدعها
المطلب الأول
منهج القرآن في الاستدلال بالآيات الكونية
1- ارتياد الكون عبر آيات القرآن
يأخذنا القرآن في جولات وجولات نرتاد آفاق السماء ، ونجول في جنبات الأرض ، ويقف بنا عند زهرات الحقول ، ويصعد بنا إلى النجوم في مداراتها ، وهو في كلّ ذلك يفتح أبصارنا وبصائرنا ، فيرينا كيف تعمل قدرة الله وتقديره في المخلوقات ، ويكشف لنا أسرار الخلق والتكوين ، ويهدينا إلى الحكمة من الخلق والإيجاد والإنشاء ، ويبين عظيم النعم التي حبانا بها في ذوات أنفسنا وفي الكون من حولنا .
إنه حديث طويل في كتاب الله يطالعك في طوال سوره وقصارها ، وهو حديث مشوق تنصت إليه النفس ، ويلذه السمع ، ويستثير المشاعر والأحاسيس .
ولقد طالعت الكثير مما توصل إليه العلم والعلماء في شتى جوانب الحياة يبينون أسرار الخلق ، ودلالة الخلق على الخالق ، فما وجدت في شيء من ذلك كلّه ما وجدته في القرآن من جمال وصـف ، ووفرة علم ، واستثارة مشاعر ، وحسن توجيه ، ودقة استنتاج ، وكيف لا يكون كذلك وهو تنزيل الحكيم الحميد !!
فعل الله في الكون :
تعال معي لنقوم بجولة مع الآيات القرآنية ؛ نرتاد هذا الكون ليرينا كيف تعمل قدرة الله في مختلف أرجاء الكون : في الحبّة تلقى في التربة فتنفلق ، وتضرب بجذورها في التربة ، فيخرج من الحبّة الجامدة حياة تتمثل في سوق ، وأوراق ، وأزهار تفوح بالشذى ، وثمار يتغذى بها الإنسان والحيوان . وفي الإصباح وهو ينبلج … وفي سكون اليل … ومسير الشمس والقمر .. ( إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنَّى تؤفكون – فالق الإصباح وجعل اليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم ) [ الأنعام : 95-96 ] .
وانظر إلى مشهد السحاب كيف يصنعه الله ، والبرد كيف يكوّنه ويصرفه ( ألم تر أن الله يُزجى سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله رُكاماً فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبالٍ فيها من بردٍ فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ) [ النور : 43 ] .
ويحدثنا الله عن فعله في الظلّ : ( ألم تر إلى ربك كيف مدَّ الظل ولو شاء لجعله ساكناً ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً – ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً ) [ الفرقان : 45-46 ]
وانظر إلى تصريفه شؤون الحياة والأحياء والليل والنهار : ( قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعزُّ من تشاء وتذلُّ من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيٍ قديرٌ – تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب ) [ آل عمران : 26-27 ] .
لا يكتفي القرآن بأن يرينا قدرة الله وهي تعمل في الكون ، وعلمه يحيط بالمخلوقات ، وتصريفه للشؤون المختلفة … ولكنّه – مع ذلك – يعرفنا بالغاية التي خلق الكون من أجلها .
خلق الله هذه الأرض من أجل الإنسان ( هو الذي خلق لكم مَّا في الأرض جميعاً ) [البقرة : 29] خلقها لنا على نحو يتوافق مع طبيعتنا وتكويننا ويحقق لنا الصلاح ، وهذا ما سماه القرآن بالتسخير .
وهو لا يخبرنا بذلك مجرد إخبار ، وإنّما يوقفنا على هذا التسخير الذي جعله الله في الكون ، ( ألم تروا أنَّ الله سخَّر لكم ما في السَّماوات وما في الأرض ) [ لقمان : 20] فالنجوم خلقت لنهتدي بها في ظلمات البر والبحر : ( وهو الذَّي جعل لكم النُّجوم لتهتدوا بها في ظلمات البّرِ والبحرِ قد فصِّلنا الآيات لقومٍ يعلمون ) [ الأنعام : 97 ] .
والأرض والسماء ، وإنزال الماء من السماء ، والسفن السابحة في البحر ، والأنهار الجارية في جنبات الأرض ، والشمس والقمر ، وتعاقب الليل والنهار … كلّ ذلك مخلوق لنا ولخيرنا ولصلاحنا
( الله الذي خلق السَّماوات والأرض وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم وسخِّر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخَّر لكم الأنهار – وسخَّر لكم الشمس والقمر دائِبين وسخِّر لكم الليل والنَّهار – وَآتَاكُم من كلّ ما سألتموه )
[ إبراهيم : 32-34 ] .
2- نعم الله في الكون
عرّفنا القرآن بأنّ الله خلق هذا الكون وسخّره لنا ، فجعله متوافقاً مع جبلتنا ، وقدّره تقديراً تصلح به حياة الإنسان ، والقرآن يتخذ من هذا الحديث والبيان سبيلاً ليشكر الإنسان ربّه ، إذ الإنسان مفطور على حب من أحسن إليه
( هل جزاء الإحسان إلاَّ الإحسان )
 [ الرحمن : 60 ] .
ولذلك فقد أفاض القرآن في ذكر النعم التي حباها الله عباده في ذوات أنفسهم
( قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون )
 [الملك : 23]
وفي الكون من حولهم :
 ( الذي جعل لكم الأرض مهداً وجعل لكم فيها سبلاً لعلكم تهتدون – والذي نزَّل من السماءِ ماء بقدرٍ فأنشرنا به بلدةً مَّيتاً كذلك تخرجون – والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون – لتستووا على ظهوره ثمَّ تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه )
 [ الزخرف : 10-13 ] .
وخلق لنا الشمس والقمر على نحو يحقق النفع والصلاح
 ( هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً وقدَّره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب )
 [ يونس : 5 ] .
والأنعام من الجمال والأبقار والأغنام ، وكذلك الخيل والبغال والحمير خلقها لنا على نحو يفيدنا ويتناسب مع طبائعنا وتكويننا ( والأنعام خلقها لكم فيها دفءٌ ومنافع ومنها تأكلون – ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون – وتحمل أثقالكم إلى بلدٍ لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إنَّ ربَّكم لرءوفٌ رحيمٌ – والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينةً ويخلق ما لا تعلمون )
 [ النحل : 5-8 ] .
والبحر مخلوق لنا أيضاً ، وفي خلقه على ما هو عليه ما يحقق لنا الشيء الكثير
 ( وهو الذَّي سخَّر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حليةً تلبسونها
وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلَّكم تشكرون )
 [ النحل : 14] .
والنحل خلقه الله ليقوم بذلك العمل الرائع ، لينتج لنا ذلك الشراب المختلف الألوان ، ليتغذى به البشر ، ويكون لهم شفاء
( وأوحى ربُّك إلى النَّحل أن اتَّخذي من الجبال بيوتاً ومن الشَّجر وممَّا يعرشون – ثمَّ كلى من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً يخرج من بطونها شرابٌ مختلفٌ ألوانه فيه شفاءٌ للنَّاس إنَّ في ذلك لأيةً لقومٍ يتفكرون )
[النحل : 68-69] .
التعرف على الله من خلال آياته الكونية سبيلٌ حثَّ عليه القرآن :
حث القرآن عباد الله على النظر في آيات الله الكونية : الأرض ، والسماء ، وما فيهما وما بينهما ، وجعل النظر والتأمل في ذلك من الذكرى التي تنفع المؤمنين .
وقد أعجبني تسمية بعض المعاصرين لهذا المنهج ( بقانون السير والنظر ) لكثرة حث الآيات القرآنية على ذلك ، وقد يكون السير والنظر حسيّان ، فيسير المرء بقدميه ، وينتقل من بلد لآخر ، كما قد يكون النظر بالبصر ، وقد يكونان بالفكر والعقل .
وقد جاء الأمر في القرآن أمراً عاماً ( قل انظروا ماذا في السَّماوات والأرض ) [ يونس : 101] . وقد يأتي أمراً خاصاً ( فلينظر الإنسان ممَّ خلق ) [ الطارق : 5] ، ( فلينظر الإنسان إلى طعامه ) [ عبس : 24 ] .
3- استدلال القرآن بالآيات الكونية على
استحقاق الخالق الربوبية والألوهية وبطلان ما يعبد من دون الله
يتخذ القرآن من الآيات الكونية مادة يناقش بها المشركين ، ويقيم بها الحجة عليهم
 ( أولم ير الذين كفروا أنَّ السَّماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كلَّ شيٍ حىٍ أفلا يؤمنون – وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجاً سبلاً لعلَّهم يهتدون – وجعلنا السَّماء سقفاً مَّحفوظاً وهم عن آياتها معرضون – وهو الذي خلق الليل والنَّهار والشَّمس والقمر كلٌ في فلكٍ يسبحون )
 [ الأنبياء : 30-32 ] .
ويبين لهم فساد معتقداتهم في معبوداتهم ، فهي لا تملك صفات الربوبية والألوهية التي تستحق
 أن تعبد بها ، وتتخذ آلهة من دون الله :
( قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آللَّهُ خير أمَّا يشركون – أمَّن خلق السَّماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماءً فأنبتنا به حدائِق ذات بهجةٍ مَّا كان لكم أن تنبتوا شجرها أَإِلَهٌ مع الله بل هم قومٌ يعدلون – أمَّن جعل الأرض قراراً وجعل خلالها أنهاراً وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً أَإِلَهٌ مع الله بل أكثرهم لا يعلمون – أمَّن يجيب المضطرَّ إذا دعاه ويكشف السُّوء ويجعلكم خلفاء الأرض أَإِلَهٌ مع الله قليلاً ما تذكَّرون – أمَّن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أَإِلَهٌ مع الله تعالى الله عمَّا يشركون – أمَّن يَبْدَأُ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السَّماء والأرض أَإِلَهٌ مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين )
[ النمل : 59-64 ] .
إنّ الآيات تبين عدم صلاحية الآلهة المدعاة للعبادة ، فالله وحده الخالق للسماء والأرض ، المنزل للماء من السماء ، والمنبت به الحدائق التي تسرّ النفس ، وتبهج النظر ، وهو الذي جعل الأرض قراراً وسيّر خلالها الأنهار ، وثبتها بالجبال … ، فهو المعبود الحق ، وغيره لم يفعل شيئاً ، فلا يستحق أن يعبد من دون الله .
وعلينا أن نستخدم هذا النوع من الاستدلال في مواجهة الكفرة والملحدين ، فقد استخدمه الرسل من قبل ، وأكثروا من
 الاحتجاج به ، فهذا إبراهيم خليل الرحمن يناقش الملحد ، ويقيم عليه الحجة بهذا النوع من الاستدلال بحيث يخرس
لسانه ويدهش فكره
(
ألم تر إلى الذي حاجَّ إبراهيم في ربه أن آتَاهُ الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يُحيي ويميت قال أنا أُحْيِي وأُميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشَّمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظَّالمين )
 [ البقرة : 258 ] .
وهذا موسى كليم الله يستخدم الاستدلال نفسه في مواجهة طاغية عصره فرعون ، ولا يزال
 يأتيه بالدليل في إثر الدليل حتى يعجزه ، فيلجأ إلى التهديد والوعيد :
 ( قال فرعون وما ربُّ العالمين – قال ربُّ السَّماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين – قال لمن حوله ألا تستمعون – قال ربكم وربُّ آبَائِكُمُ الأوَّلين – قال إنَّ رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنونٌ – قال ربُّ المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون – قال لئِن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنَّك من المسجونين )
[ الشعراء : 23-29 ] .
بل إن هذا النوع من الاستدلال طريقة جميع الرسل ، ارجع إلى سورة إبراهيم (آية 9 ، 10 )
واقرأ ما قالته الأقوام المكذبة قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ، ثم إجابة الرسل حيث قالوا :
 ( أفي الله شكٌ فاطر السَّماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم )
[إبراهيم : 10] .
فاستدلوا على صدق دعوتهم بأن الله – سبحانه – فاطر السَّماوات والأرض أي موجدهما وخالقهما .
الكفر مُستَنكَر مستعجب مع وضوح الأدلة :
ولذلك يسأل القرآن سؤالاً يشي بالعجب من كفر الكافرين مع وضوح الأدلة والبراهين
 ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يحييكم ثُمَّ إليه ترجعون )
 [ البقرة : 28 ] .
ويسأل في آية أخرى
( يا أيها الإنسان ما غرَّك بربك الكريم – الذي خلقك فسوَّاك فعدلك – في أي صورة ما شاء ركَّبك )
 [ الانفطار : 6-8 ] .
إن مقتضى نظر الإنسان في نفسه وفي الكون من حوله يوجب عليه التوجه إلى خالقه
وتعظيمه ، ولذلك كان غريباً كفر الكافرين وجحد الجاحدين
( مَّا لكم لا ترجون لله وقاراً – وقد خلقكم أطواراً – ألم تروا كيف خلق الله سبع سمواتٍ طباقاً – وجعل القمر فيهنَّ نوراً وجعل الشَّمس سراجاً – والله أنبتكم من الأرض نباتاً – ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً )
[ نوح : 13-18 ] .
4- الذين ينتفعون بآيات الكون هم أولو الألباب
إن آيات الله في الكون لا تتجلى على حقيقتها الموحية إلا للقلوب الذاكرة العابدة ؛ لأن هذه القلوب انكشفت عنها الحجب وتفتحت واتصلت بالكون العجيب ، فالقرآن أقام الوصلة بين القلب البشري وإيقاعات هذا الكون الهائل الجميل ، وهذه الوصلة هي التي تجعل للنظر في كتاب الكون والتعرف إليه أثراً في هذا القلب البشري ، وقيمة في الحياة البشرية . هذه هي الوصلة التي يقيمها القرآن بين المعرفة والعلم وبين الإنسان الذي يعلم ويعرف ، ولذلك نصّ القرآن
على أن الذي يهتدي بآيات الكون هم صنف معين من الناس
 ( إنَّ في خلق السَّماوات والأرض واختلاف الليل والنَّهار لآياتٍ لأولي الألباب – الَّذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكَّرون في خلق السَّماوات والأرض ربَّنا ما خلقت هذا باطلاً سُبحانك فقنا عذاب النَّار )
 [ آل عمران : 190-191 ] .
هؤلاء هم الذين ينتفعون بآيات الكون ، لأنهم لم يقفوا عند حدود المنظر المشهود البادي للعيان ؛ بل نظروا إلى اليد التي تسيره والقدرة التي تصنعه ، إنهم يستخدمون أبصارهم وأسماعهم وعقولهم وأفكارهم على خير وجه في هذا المجال ، مسترشدين بآيات الكتاب التي تعين السمع والبصر والفكر والعقل على التوصل إلى خير ما يمكن للإنسان أن يصل إليه
 ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودةً ورحمةً إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكَّرون – ومن آياته خلق السَّماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إنَّ في ذلك لآياتٍ للعالمين – ومن آياته منامكم بالليل والنَّهار وابتغاؤكم من فضله إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يسمعون – ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينزل من السَّماء ماءً فُيحيي به الأرض بعد موتها إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يعقلون )
[ الروم : 21-24 ] .
فالآيات تتكشف للذين يتفكرون ويسمعون ويعقلون ؛ أي على وجه الحقيقة المؤدية إلى المطلوب .
أما الكفار فإنهم يشاهدون الحدث ولا يتجاوزونه بعقولهم وأفكارهم إلى صانعه وخالقه ، ولا يدركون الحكمة من وراء الخلق ( يعلمون ظاهراً من الحياة الدُّنيا )
 [ الروم : 7 ] .
ولذلك لم ينتفعوا بالآيات الكونية ؛ لأنهم لم ينظروا إليها من خلال المنظار القرآني :
( قل انظروا ماذا في السَّماوات والأرض وما تغني الآياتُ والنُّذر عن قومٍ لا يؤمنون )
[يونس : 10 ] .
ولذلك فإن القرآن ينكر على الكافرين والجاحدين تركهم النظر والاعتبار
( أولم ينظروا في ملكوت السَّماوات والأرض وما خلق الله من شيءٍ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأيّ حديث بعده يؤمنون )
 [ الأعراف : 185 ] .
5- العلوم الحديثة تقطع الوشيجة بين الناس والكون
يقول سيد قطب – رحمه الله – :
" إن مناهج البحث التي يسمونها
((علمية))
 في هذا الزمان تقطع ما وصل الله من وشيجة بين الناس والكون الذي يعيشون فيه .
فالناس قطعة من هذا الكون لا تصح حياتهم ولا تستقيم إلا حين تنبض قلوبهم على نبض هذا الكون ، وإلا حين تقوم وثيقة بين قلوبهم وإيقاعات هذا الكون الكبير ، وكل معرفة بنجم من النجوم ، أو فلك من الأفلاك ، أو خاصة من خواص النبات والحيوان ، أو خواص الكون كله على وجه الإجمال ، وما فيه من عوالم حية وجامدة – إذا كانت هناك عوالم جامدة – أو أي شيء واحد جامد في هذا الوجود !
كل معرفة
 ‍((علمية))
 يجب أن تستحيل في الحال إلى إيقاع في القلب البشري ، وإلى ألفة مؤنسة بهذا الكون ، وإلى تعارف يوثق أواصر الصداقة بين الناس والأشياء والأحياء ، وكل معرفة أو علم أو بحث يقف دون هذه الغاية الحية الموحية المؤثرة في حياة البشر ، هي معرفة ناقصة ، أو علم زائف ، أو بحث عقيم .
إن هذا الكون هو كتاب الحق المفتوح الذي يقرأ بكل لغة ، ويدرك بكل وسيلة ، ويستطيع أن يطالعه الساذج ساكن الخيمة وساكن الكوخ ، والمتحضر ساكن العمائر والقصور ، كل يطالعه بقدر إدراكه واستعداده ، فيجد فيه زاداً من الحق ، حين يطالعه بشعور التطلع إلى الحق ، وهو قائم مفتوح في كل آن
 ( تبصرةً وذكرى

المزيد





 

<!-- بداية إعلان منتديات تحدي الاعاقه -->
   للتبادل الإعلاني <!-- نهاية إعلان محدد --><!-- بداية إعلان الشرقيه لذوي الاحتياجات الخاصه -->    للتبادل الإعلاني <!-- نهاية إعلان محدد --><!-- بداية إعلان منتديات بهلا نت -->    للتبادل الإعلاني <!-- نهاية إعلان محدد --><!-- بداية إعلان منتديات الكلية التقنيه -->    للتبادل الإعلاني <!-- نهاية إعلان محدد --><!-- بداية إعلان منتديات البرزه العربيه -->    للتبادل الإعلاني <!-- نهاية إعلان محدد --><!-- بداية منتديات الفتاة المعاقه -->    للتبادل الإعلاني <!-- نهاية إعلان محدد --><!-- بداية إعلان ممملكة الفتيات -->     <!-- نهاية إعلان محدد --><!-- منتديات المحاره -->    للتبادل الإعلاني <!-- نهاية إعلان محدد --><!-- بداية إعلان منتديات نهر الايمان -->    للتبادل الإعلاني <!-- نهاية إعلان محدد --><!-- بداية كويت مون -->     <!-- نهاية إعلان محدد --><!-- بداية إعلان منتديات النهيم -->     <!-- نهاية إعلان محدد --><!-- بداية إعلان موقع التل -->    للتبادل الإعلاني